ابن بسام
233
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
حضرتك من ينتقل إلى جهتي ، ولا ينفصل من جملتك من يحصل في جملتي ، لأنه لا فرق بين الحالتين ، ولا تباين بين الجهتين . وفي فصل من أخرى : لئن كان مولاي أعلى الملوك مكانا ، وأعظمهم شأنا ، وأكثرهم إنعاما وامتنانا ، وأعلمهم ببواطن السرائر ، وأفطنهم لهواجس الخواطر ، وأسبقهم إلى العطاء دون أن يسأل ، وأسمعهم بالمأمول قبل أن يؤمّل ، فإن عادة العبيد من الموالي أن يستزيدوا وإن غمر إحسان ، وأن يذكّروا وإن لم يكن نسيان ، ليقف موقفه المؤمّل ، ويزداد رغبة في تطوّله المتطوّل ، فإن كنت قد وصلت من عزّته الرفيعة إلى داري ، وحصلت منها [ 1 ] في موضع استقراري ، ونلت من تقريبه فوق قدري ومقداري ، فأنا الآن بمنزلة ضيف وبودّي ألا أكونه ، بل كنت أشتهي أن أرى نفسي بمنزلة من ألقى العصا ، وأمن روعة النّوى ، وخيّم مستوطنا ، واتخذ سكنى وسكنا ، وصار من دنياه في أمل ، وقلّب الطرف بين خيل وخول ، ولا واللّه ما يختلج ببالي غير ذلك كله ، ولا / استبطأت من طول مولاي وفضله ، ولكن ليس للمرء من عمل ، في قوله عزّ وجل : خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ ( الأنبياء : 37 ) ولئن تسرّعت وعجلت ، فعلى فضل أتاه مولاي عجّلت ، وعليه عوّلت واتكلت [ 2 ] ، ولولا ثقتي بالرأي الجميل ، والمعتقد [ 3 ] الكريم النبيل ، لوقفت عند قدري ، وما تعدّيت طوري ، حتى يكون هو - أيّده اللّه - السابق إلى ما يغني عن إنشاده : وفي النفس حاجات وفيك فطانة * سكوتي بيان عندها وخطاب [ 4 ] ومثلك من كان الوسيط فؤاده * فكلّمه عنّي ولم أتكلّم ومن رسائله في التعازي فصل له من رقعة [ 5 ] : من أيّ الثنايا - أيدك اللّه - طلعت عليّ النوائب ، وأيّ حمى رتعت فيه المصائب ، فواها لحشاشة الفضل أرصدها الردى غوائله ، وبقيّة الكرم جرّ عليها
--> [ 1 ] ط د : وخلصت منه . [ 2 ] ط د : فعل فضله عولت وعليه توكلت واتكلت . [ 3 ] ط د : والمشهد . [ 4 ] البيتان للمتنبي : ديوانه : 481 ، 460 ؛ ب م : كلام عنده . [ 5 ] القلائد : 107 ، والخريدة 2 : 352 .